
أمنية الجنّي نبيل الأخيرة
الذكاء ليس مثل الحكمة.
أمنية الجنّي نبيل الأخيرة
Full story audio
في قلب السوق القديم الصاخب، حيث كان الهواء يتلألأ برائحة التوابل ونداءات الباعة تنساب كالموسيقى، عاشت طفلةٌ شارعية سريعة البديهة اسمها زارا. بخصلات شعرها السوداء المتشابكة التي ترقص فوق كتفيها، وعينيها الزمرّديتين اللامعتين بالشقاوة، كانت تندفع بين الأكشاك المزدحمة، وقدماها بالكاد تلامسان الأرض وهي تتفادى العربات المكدّسة بالأقمشة الملوّنة والتحف اللامعة.
وذات يوم، بينما كانت تنقّب في ركنٍ مغبرٍّ من السوق، عثرت زارا على مصباحٍ باهت اللون، نصفه مدفونٌ تحت كومةٍ من الفخّار المكسور. كانت زخارف دقيقة منقوشة على سطحه، تهمس بحكاياتٍ منسيّة. وتجاهلت زارا الشعور الغريب الذي سرى في أصابعها حين التقطته، ففركت المصباح بقوة بكمّها، آملةً أن تلمّعه لتبيعه. ولدهشتها، تصاعدت سحابةٌ كثيفة من الدخان من فوّهته، والتفّت لتتشكّل جنّيًّا صغيرًا منهكًا اسمه نبيل، بدا أشبه بمرهقٍ منه بمخيف.

طفا نبيل في الهواء بقبّعته الزرقاء المترهّلة ونعليه غير المتناسقين، وعيناه واسعتان ومتعبتان. صاح: «آه، حاملة الأمنيات!» بصوتٍ يمزج الحماس بالإرهاق. «لكن احذري يا عزيزتي! فرغم أنني منحت الأمنيات لألف عام، إلّا أن اليوم هو يومي الأخير! لديكِ ثلاث أمنيات فقط، وهي ليست عن الذكاء وحده، بل عن الحكمة أيضًا.»
رفعت زارا حاجبها، فضوليةً وقليلة الثقة. «ماذا تقصد بالحكمة؟ يمكنني التفكير بألف طريقة لاستخدام هذه الأمنيات!» تنهّد نبيل بعمق، وترهّل جسده الصغير. «الذكاء وحده قد يقود إلى الفوضى يا عزيزتي. اختاري بحكمة، وإلّا فقد تحصلين على أكثر ممّا توقّعتِ.» وبحركةٍ من معصمه، استحضر كرةً متلألئة أظهرت لمحاتٍ من أمنياتٍ ممكنة: الثروة، والقوة، وبريق الشهرة. تلألأ كلٌّ منها كثمرةٍ مغرية، لكن زارا استطاعت أن ترى الظلال الكامنة خلفها.
متحمّسةً للإمكانيات، أطلقت زارا أمنيتها الأولى دون تفكيرٍ كبير. «أتمنّى كومةً من العملات الذهبية!» طقطق الهواء حين نقر نبيل بأصابعه، وفجأةً امتلأ زقاقها الصغير حتى آخره بالذهب اللامع. لكن مع تلاشي الإثارة الأولى، تسلّل الذعر. جذبت العملات أعينًا طمّاعة من السوق، وسرعان ما امتلأ الزقاق الهادئ سابقًا بأناسٍ يائسين، يتدافعون نحو الكنز.
صرخ نبيل: «ماذا فعلتِ؟» بصوتٍ يعلو فوق الفوضى. شعرت زارا بقلبها يتسارع وهي تراقب المشهد يتكشّف أمامها. الكنز نفسه الذي ظنّت أنه سيمنحها الحرية، أصبح الآن قيدًا يكبّلها. وبتنهيدةٍ ثقيلة، نادت: «نبيل، أريد أن أسحبها!» لكن الأمنية كانت نهائية، تاركةً إياها تواجه عواقب رغبتها الطائشة.

بعد أن هدأت الفوضى، شعرت زارا بالصغر والإرهاق. جلست على كومةٍ من الذهب، تحدّق في الظلال المتراقصة من حولها. همست: «لم أقصد أن يحدث هذا،» وهي تلتفت إلى نبيل الذي كان يطفو بجانبها، بنظرةٍ حكيمة لكن رقيقة في عينيه. «ماذا أفعل الآن؟»
حثّها بلطف: «استخدمي أمنيتيك الأخيرتين بحكمة يا صغيرتي. فكّري فيما يهمّك حقًّا. فيما تحتاجينه، لا فيما تريدينه.» مستوحاةً من كلماته، أغمضت زارا عينيها وفكّرت في أصدقائها، أطفال الشارع الآخرين الذين يشاركونها عالمها. أعلنت أخيرًا: «أتمنّى مكانًا آمنًا نجتمع فيه جميعًا ونأكل معًا.» أومأ نبيل برأسه، وابتسامةٌ تشقّ طريقها عبر إرهاقه وهو يحقّق أمنيتها.
ومع صدى الضحك والفرح في بيتهم الجديد، أطلقت زارا أمنيتها الأخيرة بقلبٍ مليء بالأمل. «أتمنّى أن أملك الحكمة لمساعدة الآخرين.» أشرق وجه نبيل، وتلألأ جسده الصغير موافقةً. «إذن فقد تعلّمتِ بالفعل أعظم درسٍ يا صديقتي.» ومع خفوت ضوء المصباح، شعرت زارا بدفءٍ يملأ قلبها.
Want your child's name in the next story? Create yours in the app
Pyxino turns your child's voice into a personalized, illustrated adventure. Free to try.
Free · Safe · Made for Families
